ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
62
حجة الله البالغة
وَالثَّالِث : أَن تُؤْخَذ من الْأَمْوَال النافعة الَّتِي ينالها النَّاس من غير تَعب كدفائن الْجَاهِلِيَّة وجواهر العاديين ؛ فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَة المجان يخف عَلَيْهِم الانفاق مِنْهُ . وَالرَّابِع : أَن تلْزم ضَرَائِب على رُءُوس الكاسبين فإنهم عَامَّة النَّاس وَأَكْثَرهم ، إِذا جبى من كل مِنْهُم شَيْء يسير كَانَ خَفِيفا عَلَيْهِم عَظِيم الْخطر فِي نَفسه . وَلما كَانَ دوران التِّجَارَات من الْبلدَانِ النائية وحصاد الزروع وجبي الثمرات فِي كل سنة ، وَهِي أعظم أَنْوَاع الزَّكَاة قدر الْحول لَهَا ، وَلِأَنَّهَا تجمع فصولا مُخْتَلفَة الطبائع وَهِي مَظَنَّة النَّمَاء ، وَهِي مُدَّة صَالِحَة لمثل هَذِه التقديرات . والآسهل والأوفق فِي بِالْمَصْلَحَةِ أَلا تجْعَل الزَّكَاة إِلَّا من جنس تِلْكَ الْأَمْوَال فتؤخذ من كل صرمة من الْإِبِل نَاقَة ، وَمن كل قطيع من الْبَقَرَة بقرة ، وَمن كل ثلة من الْغنم شاه مثلا ، ثمَّ وَجب أَن يعرف كل وَاحِد من هَذِه بالمثال وَالْقِسْمَة والاستقراء ليتَّخذ ذَلِك ذَرِيعَة إِلَى معرفَة الْحُدُود الجامعة الْمَانِعَة ، فالماشية فِي أَكثر الْبلدَانِ الْإِبِل . الْبَقر . الْغنم ، ويجمعها اسم الْأَنْعَام ، وَأما الْخَيل فَلَا تكْثر صرمها وَلَا تناسل نَسْلًا وافرا إِلَّا فِي أقطار يسيرَة كتركستان ، والزروع عبارَة عَن الأقوات ، وَالثِّمَار الْبَاقِيَة سنة كَامِلَة ، وَمَا دون ذَلِك يُسمى بالخضروات ، وَالتِّجَارَة عبارَة عَن أَن يَشْتَرِي شَيْئا يُرِيد أَن يربح فِيهِ إِذْ من ملك بهبه أَو مِيرَاث وَاتفقَ أَن بَاعه فربح لَا يُسمى تَاجِرًا ، والكنز عبارَة عَن مِقْدَار كثير من الذَّهَب وَالْفِضَّة مَحْفُوظ مُدَّة طَوِيلَة ، وَمثل عشرَة دَرَاهِم وَعشْرين درهما لَا يُسمى كنزا ، وَإِن بَقِي سِنِين ، وَسَائِر الْأَمْتِعَة لَا تسمى كنزا ، وَإِن كثرت ، وَالَّذِي يغدوا وَيروح وَلَا يكون مُسْتَقرًّا لَا يُسمى كنزا فَهَذِهِ الْمُقدمَات تجْرِي مجْرى الْأُصُول الْمسلمَة فِي بَاب الزَّكَاة ، ثمَّ أَرَادَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن يضْبط الْمُبْهم مِنْهَا بحدود مَعْرُوفَة عِنْد الْعَرَب مستعملة عِنْدهم فِي كل بَاب . ( فضل الْإِنْفَاق وكراهية الْإِمْسَاك ) ثمَّ مست الْحَاجة إِلَى بَيَان فَضَائِل الْإِنْفَاق وَالتَّرْغِيب فِيهِ ، ليَكُون برغبة وسخاوة نفس ، وَهِي روح الزَّكَاة . وَبهَا قوام الْمصلحَة الراجعة إِلَى تَهْذِيب النَّفس ، وَإِلَى بَيَان مساوى الامساك ، والتزهيد فِيهِ ، وَإِذا الشُّح هُوَ مبدأ تضرر مَانع الزَّكَاة ، وَذَلِكَ إِمَّا فِي الدُّنْيَا ، وَهُوَ قَول الْملك : " اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا ، وَالْآخر . اللَّهُمَّ اعط ممسكا تلفا .